عبد الله بن أحمد النسفي

405

مدارك التنزيل وحقائق التأويل ( تفسير النسفي )

[ سورة المائدة ( 5 ) : آية 27 ] وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبا قُرْباناً فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِما وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قالَ إِنَّما يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ ( 27 ) الدعاء عليهم قيل له فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ فلا تحزن عليهم لأنهم فاسقون ، قيل لم يكن موسى وهارون معهم في التيه لأنه كان عقابا ، وقد سأل موسى ربه أنه يفرق بينهما وبينهم ، وقيل كانا معهم إلا أنه كان ذلك روحا لهما وسلاما لا عقوبة ، ومات هارون في التيه وموسى فيه بعده بسنة ، ومات النقباء في التيه إلا كالب ويوشع . ثم أمر اللّه تعالى محمدا صلى اللّه عليه وسلم أن يقص على حاسديه ما جرى بسبب الحسد ليتركوه ويؤمنوا بقوله : 27 - وَاتْلُ عَلَيْهِمْ على أهل الكتاب نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ من صلبه هابيل وقابيل ، أو هما رجلان من بني إسرائيل بِالْحَقِّ نبأ ملتبسا بالصدق موافقا لما في كتب الأولين ، أو تلاوة ملتبسة بالحق والصحة « 1 » ، أو وأتل عليهم وأنت محق صادق إِذْ قَرَّبا نصب بالنبإ ، أي قصتهما وحديثهما في ذلك الوقت ، أو بدل من النبأ ، أي أتل عليهم النبأ نبأ ذلك الوقت على تقدير حذف المضاف قُرْباناً ما يتقرب به إلى اللّه من نسيكة أو صدقة ، يقال قرّب صدقة وتقرّب بها لأنّ تقرّب مطاوع قرّب ، والمعنى إذ قرّب كلّ واحد منهما قربانه ، دليله فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِما قربانه وهو هابيل وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قربانه وهو قابيل ، روي أنّه أوحى اللّه تعالى إلى آدم أن يزوّج كلّ واحد منهما توأمة الآخر ، وكانت توأمة قابيل أجمل واسمها إقليما فحسد عليها أخاه « 2 » ، فقال لهما آدم قرّبا قربانا فمن أيكما قبل يتزوجها ، فقبل قربان هابيل بأن نزلت نار فأكلته ، فازداد قابيل حسدا وسخطا وتوعده بالقتل ، وهو قوله قالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قالَ أي هابيل « 3 » إِنَّما يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ وتقديره قال : لم تقتلني ؟ قال : لأن اللّه قبل قربانك ولم يقبل قرباني ، فقال : إنما يتقبل اللّه من المتقين وأنت غير متق ، فإنما أوتيت من قبل نفسك لانسلاخها من لباس التقوى لا من قبلي . وعن عامر بن عبد اللّه « 4 » أنه بكى حين حضرته الوفاة فقيل له : ما يبكيك وقد كنت وكنت ؟

--> ( 1 ) في ( ز ) بالصدق والصحة . ( 2 ) في ( ز ) فحسده عليها أخوه وسخط . ( 3 ) قطعنا الآية كما في ( أ ) و ( ظ ) . ( 4 ) عامر بن عبد اللّه المعروف بابن عبد قيس العنبري ، تابعي من بني العنبر . قال أبو نعيم : هو أول من عرف بالنسك من عبّاد التابعين بالبصرة مات في بيت المقدس عام 55 ه ( الأعلام 3 / 252 ) .